Microfinance Gateway Sanabel - Microfinance Network of the Arab Countries  
 

English | Français     بحث شامل للبوابة 


نحو التمويل الأصغر وفقا للشريعة الإسلامية: مقدمة تمهيدية

عامر عبد الرحمن

عامر عبد الرحمن، الخبير السابق في HSBC أمانة المصرفية، يشرح أساسيات هذه الصناعة المتنامية والإمكانات المتاحة أمام التمويل الأصغر

تقلد عامر عبد الرحمن منصب مدير إدارة الإستراتيجية العالمية في HSBC أمانة المصرفية  حتى شهر ديسمبر/ كانون الأول عام 2006، حيث تولى حينذاك مهمة الإشراف على تطوير استراتيجية هذه المجموعة عبر نطاق واسع من مجالات الأعمال وتسع أسواق لـ HSBC أمانة في مجال التمويل الإسلامي على مستوى العالم. وهو حاصل كذلك على درجة ماجستير إدارة الأعمال (MBA) من كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد ودرجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من نفس الجامعة أيضا.

ما هي المبادئ الأساسية للتمويل الإسلامي؟

الشريعة الإسلامية الغراء هي مجموعة القوانين الإسلامية التي تشكل منظومة القيم المرجعية في الإسلام. ويتم تفسير أصول الشريعة السمحاء ومقاصدها من قبل علماء الشريعة المتخصصين، علما بأنه لا يوجد في الإسلام ما يشبه طبقة الإكليروس أو رجال الدين أو ما يماثل عملية ترسيم الكهنة والقساوسة.
يشير التمويل الإسلامي، الذي يطلق عليه لغةً واصطلاحاً على سبيل الدقة "التمويل وفق الشريعة الإسلامية"، إلى الخدمات المالية التي يتم أداؤها حسب المبادئ المستمدة من قواعد الشريعة الإسلامية وأصولها، وتشتمل هذه المبادئ على ما يلي:

  • تحريم الفائدة الربوية التقليدية على القروض أو المدخرات بوصفها عائدا ثابتا أو محددا بدون المشاركة في التعرض للمخاطرة ومن ثم فإنها ممارسة غير عادلة.   
  • عدم جواز حصول المسلم على أية أرباح ناشئة من أنشطة فاسدة وغير أخلاقية. فعلى سبيل المثال، لا يجوز للمسلم شرعاً الاستثمار في الملاهي الموبوءة وكازينوهات لعب القمار، أو الأنشطة   الإباحية، أو أسلحة الدمار الشامل. 
  • عدم جواز قيام المسلم ببيع ما لا يملك ـ ولهذا فإنه لا يجوز للمسلم البيع على المكشوف (البيع المدين وكذا البيع بشرط التسليم الآجل) لأنه من المحرمات الشرعية.   
  • وجوب أن تكون المُنتجات أو الخدمات في عقود البيع واضحة تماما في ظل انتفاء الجهالة والغرر بالنسبة للطرفين المتعاقدين.

ويؤكد التمويل الإسلامي، مثل سائر جوانب الشريعة الغراء عموما، على أهمية عملية التفاعلات البشرية وهيكلها الإطاري إلى جانب تأثيرها الأخلاقي والأدبي والمعنوي على المجتمع. ويشترك التمويل الإسلامي في خصائصه إلى حد كبير مع مجالات "أساليب الاستثمار الأخلاقية" و"المسؤوليات الاجتماعية المؤسسية"، وتتسم هاتان الطائفتان بزيادة متنامية في شعبيتهما ورواجهما في كل أنحاء العالم. إذ بات الناس يدركون بصورة متزايدة مدى أهمية الحرص على معرفة كيفية استخدام ثرواتهم والمصادر التي يأتي منها العائد على تلك الثروة.

ولعل الأهم من ذلك هو سعي الإسلام إلى تخفيف حدة الفقر وتداول الثروة وإعادة تدويرها في الاقتصاد. وتمثل فريضة الزكاة، أو الصدقة الواجبة، الركن الثالث من "أركان الإسلام الخمسة". وعلى العكس من ضريبة الدخل البسيطة وطريقة احتسابها، فإن حساب الزكاة يرتكز على الأصول وبالتالي فإنه ينطوي على إعادة توزيع الثروة في المجتمع. وطبقا لما يوضحه علماء الإسلام، فإن قواعد الزكاة تشجع أشكال الاستثمار وأنشطة الأعمال الأكثر حيوية وفاعلية ــ حيث تخضع الأنشطة السلبية لفرض الزكاة بمعدل أكبر. وتعلّم الزكاةُ المسلمينَ درسا في الشفقة والتراحم والتعاطف مع الفقراء إلى جانب أنها تنبههم إلى أن في أموالهم حقا معلوما للسائل والمحروم.   

كيف تنطبق هذه المبادئ على تطوير قطاع التمويل الأصغر ذي الصبغة الإسلامية؟

يمثل التمويل الأصغر الخطوة المهمة التالية أمام صناعة التمويل الإسلامي لخدمة الشرائح السكانية العريضة من المسلمين ولا سيما أن كثيرا من هذه الشرائح يندرج في عداد الفقراء. ويشدد التمويل الإسلامي على أهمية تمويل النشاط الاقتصادي الحقيقي والملموس (على عكس المضاربات المالية والمنتجات الأخرى البعيدة عن الواقع المباشر المُعاش). ولعل الرؤية الأخلاقية الأساسية، كما أفهمها، تتمثل في تعبئة المدخرات لاستخدامها في نشاط اقتصادي حقيقي يجلب النفع العميم ويحقق الفائدة المرجوة للجميع. وتدعو الشريعة السمحاء إلى تشجيع الادخار والاستثمار بدلا من الإفراط في تحمل الديون الاستهلاكية.

وينسجم التركيز على الأصول الحقيقية انسجاما تاما مع أهداف التمويل الأصغر، حيث يفضل العاملون في البنوك الإسلامية تمويل الأصول المنتجة مثل المعدات أو غيرها من السلع الرأسمالية. إذ أنه عندما تكون للأصل الأساسي قيمة معمرة ويكون النشاط قابلا للحياة، فإن الدخل الجاري لمالك النشاط التجاري لن يكون مدعاة للقلق أو مصدرا كبيرا لإثارة المخاوف. ويتكامل التمويل الإسلامي بطريقة جيدة مع بعض الممارسات المشتركة للتمويل الأصغر: حيث يسعى المصرفيون الإسلاميون إلى تمويل النشاط التجاري الذي سيؤدي إلى تمكين الفقراء من أسباب القوة الاقتصادية بدلا من الاكتفاء بمجرد إقراض هؤلاء الفقراء لأغراض الاستهلاك.


هل يمكن أن تصف لنا عدة هياكل نموذجية للصيرفة الإسلامية؟

  • المرابحة: تمثل المرابحة إحدى أبسط الأدوات الشائعة الاستخدام، وهي عبارة عن هيكل إطاري للبيع بسعر التكلفة زائدا هامش الربح حيث يشتري أحد الأطراف شيئا ما ثم يبيعه لشخص آخر للحصول على الربح. وعلى العكس من التمويل التقليدي، فإن المرابحة تربط الإقراض بالأصل وتنطوي على مخاطرة من قبل المالك فيما يتعلق بالأصل المملوك.
  • الإجارة: تشكل الإجارة هيكلا آخر شائع الاستخدام، وهي تشير إلى التأجير. إذ يقوم البنك بشراء الأصل ثم تأجيره للمتعاملين معه بموجب نظام الدفع بالتقسيط.
  • المضاربة: يحتل مبدأ المضاربة (الشراكة في الاستثمار) أهمية كبيرة أيضا. ويقوم المستثمرون، في ظل هذا الهيكل، بتقديم رأس المال إلى المدير الذي يساهم بوقته وبجهده مقابل الحصول على جزء من العائد.
  • المشاركة: يرى الكثيرون أن مفهوم المشاركة (المشاركة في الربح والخسارة) هو أنقى أشكال التمويل ـ حيث تشترك الأطراف في ظل هذا الهيكل، في تحمل المخاطر الكامنة وتبعاتها.
  • وتشتمل المنتجات، في جانب الاستثمار، على الاستثمار في أسهم رأس المال (استثمار حقوق الملكية)، والأدوات المبنية على مبدأ المرابحة، وهيكل يسمى التصكيك أي الصكوك التي تعمل بطريقة مماثلة للسندات التقليدية ولكنها تنطوي على تمويل مجموعة من الأصول المحددة.

ما هي المنتجات الأشد صلةً المنطوية على العلاقة الأوثق بالتمويل الأصغر؟

توجد في قطاع التمويل الأصغر إمكانات هائلة لاستخدام أدوات الإجارة (التأجير) والمرابحة في تمويل الأصول المنتجة.

وينبغي أيضا إبراز أهمية المدخرات. ونشير هنا إلى أنه ليس هناك أي حافز تشجيعي يدفع المسلمين لفتح حسابات بنكية على الإطلاق، لأنه ليس أمام الكثير منهم سوى الحسابات الادخارية المدرة للفائدة الربوية التي تحرمها الشريعة الإسلامية. ومن شأن إنشاء الحسابات الادخارية طبقا لقواعد الشريعة الإسلامية أن يساعد على تعبئة الودائع وترسيخ ثقافة الادخار فضلا عن المساهمة في التنمية الاقتصادية.

وهناك نوعان رئيسيان من الحسابات الادخارية الملتزمة بأصول الشريعة وقواعدها:

  • الحسابات القائمة على المضاربة، حيث يقوم العميل بإيداع الأموال في البنك ويشترك في الأرباح والمخاطر مع البنك القائم باستخدام تلك الأموال. ويعتبر هذا النوع من الحسابات النوع الأكثر سيولة، ولكنه لا يندرج تحت مظلة أي شكل من أشكال التأمين.
  • حسابات الودائع لأجل القائمة على المرابحة حيث يقوم العميل بإيداع الأموال في البنك الذي يقوم بدوره بإجراء عمليات مرابحة بتلك الأموال لأجل مدته شهر غالبا أو لأجل ممتد لثلاثة شهور. ويتسم هذا النوع من الحسابات بكونه حسابا مأمونا إلى حد كبير، ولكنه أقل سيولة من الحسابات القائمة على المضاربة. إلا أن اتصاف هذا النوع بالسيولة الأقل يمكن اعتباره ميزة في حد ذاته، لأنه يشجع المتعاملين مع البنك على الإبقاء على أصولهم. وربما يكون هذا النوع من الحسابات بأنه الأداة التي يعد استخدامها أمرا ملائما تماما في تعبئة مدخرات عملاء التمويل الأصغر.

كيف ينظر التمويل الإسلامي إلى القضايا المتعلقة بالجنسين؟

هناك فهم خاطئ مؤداه أن التمويل الإسلامي يخلو إلى حد ما من أية مزايا بالنسبة للنساء وأنهن لا يستطعن إليه سبيلا. وهذا محض فرية هي أبعد ما تكون عن صدقية الواقع. فقد أقر الإسلام حق المرأة في الملكية المستقلة قبل الأنظمة القانونية الأخرى بقرون عديدة. فالمرأة المسلمة مدعوة إلى الادخار والاستثمار وتحسين أوضاعها كالرجل تماما سواء بسواء، كما أنها تتمتع أيضا بالقدرة على الوصول والحصول على المنتجات الموصوفة أعلاه.

ما هي الكيفية التي تتطور بها صناعة التمويل الإسلامي؟

أصبح التمويل الإسلامي معروفا وطبقت شهرته الآفاق في الكثير من البلدان، وخاصة بلدان العالم العربي، حيث يوجد أكثر من 300 مؤسسة لتقديم الخدمات المصرفية الإسلامية. ويخضع أكثر من نصف إجمالي الأصول المصرفية في المملكة العربية السعودية، منذ عام 2005، لقواعد الشريعة الإسلامية. كما توجد لدى بلدان الخليج العربي الأخرى مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت أصول إسلامية من المتوقع نموها لتصل في القريب العاجل إلى حوالي ثلث إجمالي الأصول المصرفية. وتعتبر ماليزيا أيضا سوقا أخرى مهمة للتمويل الإسلامي، وتعمل الجهات التنظيمية هناك على استحداث القوانين اللازمة لتيسير نمو هذه الصناعة. وبالإضافة إلى ذلك، قامت HSBC أمانة المصرفية بتقديم أدوات إسلامية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، علاوة على الشركات الأخرى القائمة بتوفير خدمات التمويل الإسلامي في عدد كبير من البلدان التي يشكل فيها المسلمون أقليات في تلك المجتمعات.

هذا ويفضل الكثير من المسلمين في جميع أنحاء العالم استخدام الأدوات المطابقة لقواعد الشريعة الغراء لدى توفرها وذلك من منطلق شعورهم بالتعارض القائم بين منظومة معتقداتهم الإسلامية والأنظمة البنكية التقليدية. وقد يقوم هؤلاء المسلمون اليوم باستخدام المنتجات المصرفية التقليدية على مضض شديد أو الامتناع نهائيا عن استخدامها.

كيف يمكن التعاون بين التمويل الإسلامي ومؤسسات التمويل الأصغر؟

يشكل التمويل الأصغر فرصة ذهبية رائعة أمام التمويل الإسلامي حتى يعكس الأخير جوهر منظومة قيمه ومكنون رسالته. ويمكن أن يساعد الامتثال لأصول الشريعة الإسلامية وقواعدها، في الوقت نفسه، مؤسسات التمويل الأصغر على الوصول إلى عدد كبير من المسلمين الذين يفضلون أشكال الأنشطة المالية الممتثلة لأحكام الشريعة الإسلامية. وتتمثل إحدى الإمكانيات في التنسيق بين المانحين، لأن المؤسسات المالية الإسلامية ترى أن تخفيف حدة الفقر تعتبر عاملا مركزيا في صميم المسؤوليات الاجتماعية المؤسسية. كما تتمثل وسيلة أخرى للتعاون في إقامة شراكات تعاونية مع المصرفيين الإسلاميين حيث يمكن أن يتم في إطارها تقديم الخبرة والمشورة بشأن كيفية هيكلة المنتجات والخدمات الإسلامية. ولعله سيكون في وسع المصرفيين الإسلاميين أن يعملوا في المستقبل على توريق حوافظ التمويل الأصغر الممتثل لقواعد الشريعة الإسلامية حيث بدأنا نرى بداية تطبيق ذلك على التمويل الأصغر التقليدي.

ما هي التحديات التي يجابهها التمويل الأصغر ذي الصِبغة الإسلامية وهو ماضٍ في طريق تطوره؟

أولا، هناك حاجة ماسة إلى بناء الجسور بين المؤسسة الدينية وقطاع التمويل الأصغر. إذ أن هناك مفهوما خاطئا يزعم انعدام نقاط التلاقي بين الطرفين من حيث الأهداف. ويتمثل التحدي في إدراك الأرضية المشتركة في التنمية البشرية التي تجمع هذين الطرفين معا. ويتمثل أحد التحديات الأخرى في معالجة الروح التشككية السائدة في أوساط المستهلكين المسلمين وخاصة في منطقة جنوب آسيا حول صحة مطابقة هذه المنتجات لأصول الشريعة الإسلامية وقواعدها. وأخيرا، تحتاج صناعة التمويل الإسلامي إلى تكييف وتحوير مجموعة منتجاتها ونماذج التشغيل المتبعة ـ ليس بطريقة جوهرية نظرا لوجود الهياكل الأساسية فعليا ـ وذلك من أجل تلبية احتياجات الفقراء بوصفهم الشريحة التي يستهدف خدمتها التمويل الأصغر.

يمكن الاتصال بالسيد عامر عبد الرحمن (Aamir A. Rehman) على البريد الإلكتروني التالي:rehman@post.harvard.edu.

وثائق أخرى مرتبطة بالموضوع

 
عن البوابة العربية | اتصل بنا | قدم اسهاما | اخبر صديقا