Microfinance Gateway Sanabel - Microfinance Network of the Arab Countries  
 

English | Français     بحث شامل للبوابة 


ممارسو التمويل الأصغر في فلسطين

سميح جرادات، مدير التسويق والائتمان، بنك الرفاه لتمويل المشاريع الصغيرة

بين الإقصاء، والاستدامة، والربحية

            قد لا يختلف اثنان على أن سوق التمويل الصغير والأصغر، في تنام متزايد في الأراضي الفلسطينية.  فثمة إجماع مطلق على توسع هذه الصناعة سواء من الممارسين لها، أو الباحثين أو المهتمين والمراقبين، من أفراد ومؤسسات، ومراكز بحثية، وكذلك الحال بالنسبة للممولين لهذه الصناعة. فالجميع يقر بأن السوق يتوسع والحاجة تتزايد، خاصة في ظل معطيات تزايد الفقر في المجتمع الفلسطيني والارتفاع الحاد في معدلات البطالة، بعد اندلاع الانتفاضة في عام 2000، التي أسفرت عن تراجع السوق الإسرائيلي عن استيعاب الأيدي العاملة الفلسطينية، وضعف إمكانيات الاقتصاد المحلي في سد الفجوة واستيعاب العاطلين الجدد بسبب الأوضاع السياسية، والتوجه التدميري الذي يمارسه الاحتلال ضد الاقتصاد الفلسطيني.

        لقد تم الإشارة في "الدورة العاشرة من مسح أثر الإجراءات الإسرائيلية على الأوضاع الاقتصادية للأسرة الفلسطينية " الذي نفذ خلال شهري تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر 2004 إن 63.8% من الأسر الفلسطينية في الضفة والقطاع تقع تحت خط الفقر أي 2723 ألف شخص ( المراقب الاقتصادي ). وإذا ما أضيف لذلك ووفقا لنفس المصدر ارتفاع عدد العاطلين عن العمل من 98 ألف عاطل في عام 2000 إلى 221 آلف عاطل في عام 2003، بالإضافة إلى 120 ألف عاطل لا يعملون ولا يبحثون عن عمل بسبب اليأس من الحصول عليه، وفقا لدراسات ماس، فهذا يعني أن عدد العاطلين عن العمل هو حوالي 341 آلف شخص.

       إن هذه المعطيات، تؤشر بما لا يدع مجالا للشك أن الحاجة للتمويل الصغير والأصغر في ترابطها الطردي مع الفقر والبطالة، هي في حالة متزايدة ومتعاظمة، إذا ما أخذنا في الاعتبار، أن الهدف الأساسي من الانطلاقة العالمية للتمويل الأصغر، والدعم الدولي على المستوى الرسمي المتمثل في الأمم المتحدة يكمن في الاعتقاد بأن التمويل الصغير والأصغر هو أحد أهم الأدوات في العصر الراهن لمحاربة الفقر والحد من البطالة وفقا لتعريف المجموعة الاستشارية لمساعدة  الفقراء (CGAP) للفقر بشكل عام وإن تفاوتت مقاييس الفقر ومؤشرا ته من بلد لآخر وليس الواقع الفلسطيني بحالة شاذة عن هذا التوجه. وهذا ما يفسر انتشار وتزايد ممارسي الصناعة في الفترة السابقة، وهو ما تزامن مع النداءات التي رافقت بدايات الانتفاضة عام 2000 الداعية للإنتاج المنزلي وتشجيع المشاريع البينية، وأصبح الاهتمام عاليا بدور المرأة في هذه المشاريع باعتبارها محور المشاريع المنزلية وتأكيدا على أن استهداف المرأة وإشراكها هو أحد عناصر الممارسات الفضلي في التمويل الصغير والأصغر.

        والتمويل الأصغر ليس وليد الساعة على الرغم من اتساع سوقه الآن من جراء الانتفاضة، إذ أنه كان قد انطلق في ثمانينيات القرن العشرين من خلال بعض المبادرات التي قام بها بعض رجال الأعمال والمهتمين وبتمويل عدد من المؤسسات الدولية، إلا أن هذه الظاهرة لم تكن متساوقة أو متناغمة مع توجه رسمي أو غير رسمي لإنشاء صناعة بالأفق المعمول به حاليا، أو كامتداد لتوجه عالمي متزايد. فقد كانت البداية تعبر عن حاجة ملحة تمثلت في غياب المؤسسات البنكية العاملة في فلسطين بحكم الاحتلال الإسرائيلي ، وتطورت هذه الظاهرة وتزايد نموها وأخذت آثارها تظهر بصورة جلية من خلال تشكيل المؤسسات غير الحكومية وغير الهادفة للربح، كمؤسسات إقراض وتمويل المشاريع الصغيرة. وتنامت باهتمام المانحين ضمن حدود معينة، ولكن هذه المؤسسات  لم تكن قادرة على استيعاب السوق والطلب المتزايد، وظلت طوال فترات عديدة وما زالت، حتى اللحظة، أسيرة الاشتراطات المفروضة من الممولين، وهذا ما تسبب في  عدم وجود صناعة إقراض صغير وأصغر منفتح ومتسع الانتشار وشامل لكافة الاحتياجات، لهذه السوق المتعاظمة. ولعل عدم توافر رأس المال المتاح لهذه الصناعة هو  أحد أهم الأسباب خلف هذا الضعف ، وكذلك عدم وجود الإطار القانوني الحامي لهذه الصناعة، وهذا أمر مازال قائما ويزداد تعقيدا بعد إحجام الممولين عن تقديم الهبات والدعم لهذه المؤسسات وعجز الكثير منها-  إن لم يكن  جميعها- عن تحقيق الاستدامة المالية بما يوصلها للاستدامة دون الاعتماد على الممولين، وما زال الكثير منها يعاني عدم الوصول للاستدامة التشغيلية وهذا أمر ينذر ببقائها أسيرة الدعم والإغاثة في الوقت الذي تسعى، ضمن برامجها غير المعلنة، لتحويل المستهدفين من الإغاثة إلى الاعتماد على الذات.

إن هذا التطور الذي برز في عام 2003 بفعل الانحسار في العمليات التمويلية، وبسبب السياسة المحافظة التي لجأت لها كافة المؤسسات واستمرت تعاني منها لمدة طويلة، ومازال بعضها على حاله، ساهم في توجه العديد منها للتنسيق المشترك، والذي تطور إلى حد تشكيل شبكة لمؤسسات الإقراض الصغير، الأمر الذي يعتبر تطورا نوعيا في مجال تنسيق الجهود لخدمة الصناعة، ولكنه لم يساهم حتى اللحظة في توحيد الجهود في تحقيق سعة الانتشار والاستدامة بحكم العجز عن توفير التمويل والمنافسة الشديدة بين هذه المؤسسات، وتزاحمها على القطاعات ذات الضمانات السهلة و المريحة، الأمر الذي حدا ببعضها للدخول في منافسة مع البنوك المحلية حول شرائح ذات ضمانات مضمونة ولم تسع لخلق البديل لها.

        إن ممارسي صناعة الإقراض الصغير في فلسطين حتى اللحظة، لم يرتقوا إلى مستوى الإبداع في خلق صناعة ذات استهداف حقيقي للقطاعات الفقيرة والمحتاجة للتمويل الصغير والأصغر من العائلات الفقيرة، ذات الحجم المتزايد، وظلت أسيرة الاشتراطات وتوصيات الممولين كل حسب أجندته الخاصة التي كثيرا ما كانت بعيدة عن حاجة السوق الحقيقية ولم تستهدف مؤشر الانتشار كأحد عناصر الممارسات الفضلى في التمويل الأصغر.

      إن الخضوع لشروط الممول والمربوطة بالانكفاء على الضمانات التقليدية أدى إلى انكماش أعداد المستهدفين من قبل ممارسي الصناعة وجعلهم أسرى لاشتراطات الضمان وهذا أدخل البعض منهم إلى المنافسة على كعكة رواتب القطاع العام، وحصر تمويلاته بعلاقة مباشرة بضمان الراتب، مما أبعد الممارسين عن الأهداف الحقيقية للصناعة وفقا للمفهوم الذي تحدثنا عنه سابقا.

         فالفقراء والعاطلون عن العمل لا يملكون بالضرورة راتبا أو كفيلا، ومن يمتلك هذه السمات فهو مستهدف محتمل للقطاع البنكي الذي نما بشكل غريب في الاقتصاد الفلسطيني، حتى يكاد يكون مقابل كل 20.000 شخص فرع لبنك في فلسطين. وإذا أخذنا في الاعتبار أن أهم هدف للتمويل الصغير والأصغر هو إشراك غير القابلين للمشاركة في العمليات المصرفية، كان لابد لهذه المؤسسات العاملة في مجال التمويل الأصغر أن تلجا إلى خلق برامج تلبي احتياجات الصناعة وتخلق أدوات ضمانها لا أن تلجا للمنافسة على القطاعات القابلة للمشاركة في العمليات المصرفية، على حد تعبير  انتون سيما نوفيتش في مقاله "ضمان تأثير إيجابي" المنشور في" الطريق للخروج من الفقر ". فالخدمات المصممة وفقا لاحتياجات المستهدفين من التمويل الصغير والأصغر تؤدي إلى أداء أفضل واستدامة أطول في أوساط المستهدفين مما يؤدي إلى مستويات أعلي من الأداء و الاستدامة لمؤسسات التمويل الصغير ذات القدرات المحدودة كما يرى سيما نوفيتش.

         إن تحقيق الانتشار المرتبط ببرامج ضمان غير تقليدي والخارج من المنافسة التقليدية للمؤسسات المالية التقليدية هو مدخل حقيقي للاستدامة سواء التشغيلية أو المالية.

         إن الوصول إلى الاستدامة كأحد مقاييس ومؤشرات نجاح ممارسي التمويل الصغير في العالم، لم يعد المؤشر الأكثر قياسا لنجاح ممارسي التمويل، خاصة بعد دخول القطاع الخاص لمجال التمويل الأصغر في كثير من البلدان في العالم. فالقطاع الخاص لم ولن يكون        لاعبا في صناعة الإقراض والتمويل الصغير والأصغر، بهدف الوصول إلى الاستدامة وإنما يطمح إلى تحقيق ما هو أبعد من ذلك إلى الربحية. وبهذا المعنى، أصبحت صناعة التمويل مبتكرة ومجتهدة في مجال تقديم الخدمات المصرفية للقطاعات المستهدفة على قاعدة تحقيق الاكتفاء الذاتي إلى تحقيق الأرباح، وأصبح الإقراض الصغير مشروعا مدرا للأرباح. وهذا يعني أن المنافسة بين ممارسي الصناعة من القطاع الخاص، وممارسيها من المنظمات غير الهادفة للربح قد دخلت مرحلة جديدة، والواقع الفلسطيني ليس شاذا من هذه القاعدة.

        ومع تحول القطاع الخاص الفلسطيني إلى الاستثمار في الإقراض الصغير والأصغر من خلال إنشاء مصرف لتمويل المشاريع الصغيرة، فإنه بذلك قد فرض واقعا جديدا على ممارسي الصناعة من القطاع غير الهادف للربح. إن هذا الواقع الجديد يفرض على الممارسين صياغة جديدة لتوجهاتهم وبرامجهم ومنتجاتهم بل أكثر من ذلك، يفرض عليهم إيجاد صياغة للعلاقة ما بين المؤسسات الممارسة للتمويل من جهة، والانفتاح العالمي في التفكير لإيجاد صيغة مناسبة من العمل المشترك ما بين الممارسين والقطاع الخاص، من جهة ثانية. ويتمثل شعار العاملين في بنك الرفاه في أن القطاع الخاص يحتكم لقوانين السوق، والمبادرة دائما بحكم أهدافه الربحية المنسجمة مع الأهداف الاجتماعية الهادفة للحد من الفقر، والحد من ظاهرة البطالة. وتلك حالة فريدة منطقيا من حيث  المزاوجة بين الهدف الربحي والهدف الاجتماعي.  وأعتقد أن النجاح مضمون ، من حيث قدرة هذا القطاع على حشد التمويل وقدرته العالية على الانتشار والتوسع وجرأته في اتخاذ القرار، وشمولية رؤيته لموضوع التمويل الصغير الذي لا يخضع لشروط أو إملاءات إلا شروط الربحية وقوانين السوق.

            لقد كان الممارسون للصناعة في فلسطين نموذجا تم تدارسه وعرضه كحالة فريدة من التنسيق العالي بين المتنافسين في الصناعة في العالم العربي وذلك لأكثر من مرة وليس أخرها وأولها تجربة مشاركة  شبكة التمويل الأصغر في البلدان العربية بتقديم نموذجها على هامش مؤتمر سنابل الثاني في القاهرة، إن هذا النموذج وإن " كثرت ملاحظاتي حوله وعليه" مطالب بصياغة توجهات إيجابية جديدة أول أهدافها حماية الممارسين والحفاظ عليهم من الدخول في لعبة المنافسة الخطرة مع القطاع الخاص في الوقت الذي شح فيه التمويل للممارسين قبل أن يصل الجميع حتى إلى حالة الاستدامة.

إن العمل لتسخير إمكانيات القطاع الخاص العالية والاستفادة منها أمر في غاية الأهمية.  وتدهشني سياسة الانطواء على الذات التي يمارسها بعض الممارسين في مواقف لست أدري توصيفا لها هجومية أم دفاعية، في وقت يتسع السوق فيها لأكثر مما هو قائم بكثير. والتجارب الدولية في التعاون والتنسيق بين المؤسسات الممارسة للصناعة والقطاع الخاص التجاري كثيرة وليس أدل عليها من التجربة الهندية كنموذج رائع لبناء علاقة متقدمة وإستراتيجية بين القطاع الخاص والمؤسسات الأهلية العاملة في مجال الصناعة.

فهل يتسع المجال فلسطينيا لصياغة نموذج خاص ومتقدم بين الهادفين للاستدامة والهادفين للربح لتحقيق غايات اجتماعية صيغت دوليا كأهداف للصناعة الإقراضية أم إن المجال لا يتسع هكذا لصيغة تآلفية تحقق الفائدة للجميع. وإذا ما ضاق المجال فإن السوق مفتوح وقوانينه ستعمل رغما عن أي رغبة ذاتية بغض النظر عن نياتها وخلفياتها. وسيكون الإقصاء حليف من لا يرى تفاصيل الحالة بتعقيداتها وبواطن القوة في الاستفادة من المتاح، بدل الإقصاء للذات، في محاولة فاشلة كما أراها لإقصاء الآخر. 

وثائق أخرى مرتبطة بالموضوع

 
عن البوابة العربية | اتصل بنا | قدم اسهاما | اخبر صديقا